بقلم عبد الرزاق بن شريج
من المصطلح إلى منطق السياسة العمومية
تستمر السياسة التربوية بالمغرب في إنتاج مشاريع ومفاهيم وصيغ تنظيمية جديدة، خصوصا منذ الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، مرورا بالقانون الإطار رقم 51.17، ثم خارطة الطريق 2022-2026، وصولا إلى تجربة المدرسة الرائدة. ويكشف هذا المسار عن حضور متزايد لمنطق التجريب وإعادة توزيع الأدوار، غير أن الاختبار الحقيقي لأي سياسة يظل في كيفية انتقالها من القرار المركزي إلى المؤسسة التعليمية، وما إذا كانت التجارب المتلاحقة تبنى على ما سبقها أم تعيد في كل مرة صياغة المشكلة والحل والأدوار والوسائل.
في هذا السياق، جاءت المذكرة الوزارية الصادرة في 03 شتنبر 2026، تحت رقم 2894/26، لإطلاق تجربة "الأستاذ المرجعي" بالمؤسسات الثانوية الإعدادية الرائدة، ابتداء من الموسم الدراسي 2026-2027. وتكتسب التجربة أهميتها من طبيعة الوظيفة المقترحة وموقعها داخل هندسة التدبير التربوي، ومن علاقتها بالإدارة والأساتذة والمفتشين.
تقدم المذكرة الأستاذ المرجعي باعتباره نمطا جديدا للمواكبة التربوية، يقوم على تبادل الخبرات وتيسير إدماج الممارسات البيداغوجية والمؤسساتية، ويرتبط بتنزيل أهداف خارطة الطريق، لذلك لا تكمن القضية في إضافة تسمية جديدة إلى قاموس الإصلاح، بل في تحديد المشكلة التي يفترض أن تعالجها هذه الأداة، والآليات التي يفترض أن تحولها إلى أثر تربوي، والشروط البشرية والتنظيمية اللازمة لنجاحها.
حين يعاد تعريف المشكلة في صورة وظيفة جديدة
تحدد المذكرة "الأستاذ المرجعي" بأنه "أستاذ يمارس مهامه بإعدادية الريادة، مشهود له بالكفاءة المهنية والبيداغوجية والقدرة على التواصل وتعبئة الفريق التربوي". وتسند إليه، بتنسيق مع إدارة المؤسسة وتحت إشراف المفتشين التربويين، مهام تتجاوز التدريس المباشر إلى المواكبة والتقاسم والتكوين الداخلي وتيسير إدماج الممارسات البيداغوجية الجديدة.
وتشمل هذه المهام المساهمة في تكوين الأساتذة، وتنظيم ورشات المحاكاة والأنشطة التطبيقية، وتقاسم التجارب الميدانية والممارسات الفضلى، ومواكبة الأساتذة الجدد والمتدربين، وتيسير تداول المعلومات بين الأساتذة والإدارة والمفتشين والمتدخلين الآخرين، واقتراح مواضيع للتكوين المستمر، فضلا عن المساهمة في تتبع وقيادة المؤشرات البيداغوجية،
وبذلك لا نتحدث عن دعم أفقي بسيط بين الزملاء، وإنما عن وظيفة تجمع بين التكوين والمواكبة وتقاسم الممارسات والتواصل وتتبع المؤشرات، وهذا الاتساع يقترب من بعض وظائف التأطير التربوي التي ارتبطت تاريخيا بهيئات أخرى داخل المنظومة.
هنا تحديدا يظهر السؤال التدبيري: هل نحن أمام أداة جديدة لتنفيذ سياسة قائمة، أم أمام إعادة توزيع لجزء من وظائف التأطير والمواكبة داخل المؤسسة؟
إعادة توزيع الوظيفة لا مجرد إضافة مهمة
المفارقة الأساسية أن الأستاذ المرجعي يظل أستاذا ممارسا لمهنته الأصلية، لكنه يحمل في الوقت نفسه وظيفة جديدة، وتنص المذكرة على أنه "يمارس الأستاذ المرجعي هذه المهام بالموازاة مع حصته التدريسية، وفق تنظيم يتيح تخفيف جدول حصته الأسبوعي إلى النصف".
إذن، لا تنشئ السياسة هيئة جديدة مستقلة عن هيئة التدريس، وإنما تعيد تخصيص جزء من الزمن المهني لأستاذ قائم لممارسة وظيفة المواكبة والتكوين، وهذا اختيار تنظيمي له مزايا، لكنه يفترض وجود قيمة مضافة واضحة: فما يخصص للمواكبة ينتزع من التدريس المباشر، وكل توسع في المهام يحتاج إلى مبرر يرتبط بالنتائج المنتظرة.
كما أن التكليف لا يكتسي طابعا دائما، بل يرتبط بموسم دراسي واحد قابل للتجديد بناء على تقييم الحصيلة السنوية، ولذلك تظل الوظيفة، في صيغتها الحالية، أقرب إلى منطق المشروع والتجريب منها إلى وظيفة مستقرة داخل التنظيم الإداري والمهني، وإذا أظهرت التجربة فعاليتها واستمر اعتمادها، فسيطرح حينها سؤال مأسسة هذه الوظيفة وتحديد موقعها الدائم داخل هندسة الموارد البشرية والتأطير التربوي..
عشرون أستاذا... حين تصطدم هندسة القرار بواقع التنفيذ
لا تتعلق المسألة بالزمن المهني فقط، فالمذكرة تحدد سقفا لعدد الأساتذة الذين يمكن للأستاذ المرجعي مواكبتهم، إذ تنص على أن "يتولى المفتش التربوي تحديد الأستاذ المرجعي، مع مراعاة ألا يتجاوز عدد الأساتذة المسندين إليه عشرين (20) أستاذا"، مع إمكانية تعيين أستاذ مرجعي إضافي أو أكثر عند تجاوز العدد، في حدود خمسة أساتذة مرجعيين في كل مديرية إقليمية.
وهنا تنتقل القضية من تصميم الأداة إلى قابليتها للتنفيذ، فالسياسة العمومية لا تنتقل آليا من النص إلى الممارسة، بل تمر عبر موارد بشرية وزمنية وتنظيمية، وعبر مستويات متعددة من التنفيذ قد تؤثر في مضمونها ونتائجها، وقد يبدو سقف عشرين أستاذا رقما تنظيميا عاديا، لكنه في الواقع يعكس طريقة توزيع الموارد، فإذا كان الأستاذ المرجعي سيواكب هذا العدد إلى جانب مهامه الأصلية، فإن السؤال لا يتعلق بقدرته على تنظيم اللقاءات فحسب، بل بمدى كفاية الزمن المتاح لإنتاج مواكبة منتظمة يمكن أن تؤثر فعليا في الممارسة الصفية، وإلا فقد تنتهي المواكبة إلى لقاءات وأنشطة متقطعة يصعب قياس أثرها على التدريس والتعلم.
ومن جهة أخرى فإن تخفيض الحصة التدريسية للأستاذ المرجعي يفتح سؤالا تنفيذيا لا تجيب عنه تسمية الوظيفة وحدها: من سيغطي الزمن المدرسي الذي سيتركه الأستاذ المرجعي؟ فإذا بلغ عدد الأساتذة المرجعيين الحد الأقصى المحدد في خمسة أساتذة بكل مديرية إقليمية، فإن خفض نصف الحصة لكل واحد منهم يعادل 2.5 أستاذ في كل مديرية، وباحتساب 75 عمالة وإقليما على الصعيد الوطني، فإن الأمر يمثل نحو 187.5 أستاذ لتغطية الزمن المتروك، أي ما يقارب 188 أستاذا من حيث الحجم الزمني، إذا بلغ التفعيل سقفه النظري، ولا يعني ذلك بالضرورة الحاجة إلى توظيف هذا العدد، لأن التغطية قد تتم بآليات أخرى لتدبير الموارد والجداول الزمنية، لكنه يكشف عن كلفة بشرية وتنظيمية ينبغي أن تدخل في حساب قابلية السياسة للتنفيذ، فإعادة توزيع زمن الأستاذ المرجعي لا تلغي الساعات التدريسية التي كان يؤديها، وإنما تنقل عبء تغطيتها إلى مكان آخر داخل النظام...
المفتش... فاعل تنفيذ أم واجهة للمسؤولية؟
تضع المذكرة المفتش التربوي في قلب التجربة، إذ تسند إليه مهمة تحديد الأستاذ المرجعي وفق معايير الكفاءة المهنية والبيداغوجية والقدرة على التواصل وتعبئة الفريق التربوي، غير أن هذه المعايير تظل، بصيغتها العامة، في حاجة إلى مؤشرات أكثر دقة تسمح بتحويلها إلى أدوات موضوعية للانتقاء والتقييم.
وتكمن أهمية المفتش هنا في أنه لا يظهر باعتباره منفذا محايدا فقط، بل فاعلا وسيطا تنتقل عبره السياسة من القرار المركزي إلى المؤسسة، وهذا الموقع يمنحه هامشا من التقدير في تفسير الأهداف وتحويلها إلى ممارسة، كما يجعل اتساع مسؤولياته في الانتقاء والمواكبة والتتبع مرتبطا، بصورة مباشرة، بنتائج التجربة.
وتزداد حساسية المسألة بالنظر إلى تجارب سابقة، كما حدث في تكييف وتنزيل مشروع "تارل" TaRL والتكوين عليه، حين حمل الخطاب الرسمي المفتشين مسؤولية الموافقة والمباركة للمشروع، ومن ثم ينبغي التمييز بوضوح بين مسؤولية تنفيذ السياسة ومسؤولية تصميمها، حتى لا يتحول إشراك المفتش في التنفيذ إلى نقل المسؤولية السياسية إليه عن اختيارات اتخذت مركزيا.
ومن هذه الزاوية، كان يمكن التفكير في استثمار التجربة التاريخية لنظام كواهي المفتشين الذي كان قائما في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، وتكييفه مع حاجات المنظومة الحالية، وذلك بمنح الأساتذة المرجعيين امتيازا للترقي إلى مفتش بعد قضاء سنتين كأستاذ مرجعي وسنة تكوينية بمركز تكوين مفتشي التعليم، وبذلك تصبح التجربة الميدانية نفسها مدخلا إلى مسار مهني للتأطير، بدل أن تظل وظيفة مؤقتة مرتبطة بمشروع.
التجريب لا يضر... ما لم يتحول إلى سياسة بلا ذاكرة
لا يمثل التجريب، من منظور صناعة السياسات العمومية، عيبا في حد ذاته، بل يمكن أن يكون وسيلة لاختبار النجاعة قبل التعميم، خصوصا في قطاع مركب وحساس كالتربية والتعليم، لكن قيمة التجريب لا تقاس بمجرد إطلاقه، وإنما بقدرته على إنتاج معرفة يمكن أن توجه القرار اللاحق، ولهذا ينبغي أن تحدد التجربة منذ البداية ما الذي تريد اختباره، وكيف ستقيس النتائج، وما المعايير التي ستحدد الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف، وإلا تحول التجريب إلى حلقة أخرى في سلسلة المشاريع.
وتكشف ذاكرة التدبير البيداغوجي بالمغرب عن مبادرات سابقة حملت مسميات مختلفة، من بينها "الأستاذ المصاحب" و"الأستاذ الكفيل"، ثم اختفت بعد فترات قصيرة من تنزيلها. ولا تكمن الملاحظة الأساسية هنا في مجرد توقف هذه المبادرات؛ إذ قد يكون إنهاء تجربة محدودة الأثر أو غير المثبتة النتائج قرارا تدبيريا سليما، وإنما في غياب ذاكرة مؤسساتية معلنة توثق مآلها وتفسر أسباب التوقف، وتحدد حدود أثرها، وتبين ما الذي استخلصته الإدارة منها عند الانتقال إلى مبادرات لاحقة، فالمشكلة، من منظور تدبير السياسات العمومية، ليست في أن تتوقف التجربة، وإنما في أن يتوقف معها التعلم المؤسساتي، بحيث يعاد إنتاج الفكرة أو تغيير تسميتها من دون أن تكون نتائج التجربة السابقة ودروسها جزءا واضحا من عملية صنع القرار.
في المذكرة عناصر تمنع الحكم المسبق
ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية تقتضي عدم رفض المشروع لمجرد كونه جديدا، فقد نصت المذكرة رقم 2894/26 على التتبع الدوري المشترك بين إدارة المؤسسة والمفتش التربوي، وربط استمرار التجربة بالتقييم السنوي للحصيلة، مع تنظيم دورات تكوينية ومواكبة منهجية للمعنيين، واحتساب المهمة في تقييم مسارهم المهني، وإمكانية إنهائها عند الإخلال بالالتزامات أو بناء على طلب معلل.
وتوفر هذه العناصر، على مستوى التصميم، بعض شروط القابلية للتقييم والتصحيح، غير أن وجود التقييم في النص لا يضمن جودة أدواته، كما أن التنصيص على التتبع لا يعني بالضرورة أن نتائجه ستتحول إلى قرارات، لذلك ينبغي التمييز بين وجود آلية للتقييم وقدرتها على إنتاج القرار، فالتقييم الحقيقي لا يقاس بعدد التقارير واللقاءات، وإنما بقدرته على قياس الأثر وترتيب نتائجه على مستوى الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف.
نظرية التغيير... الحلقة المفقودة في التجربة
في النهاية، تحتاج التجربة إلى اختبار "نظرية التغيير" التي تستند إليها، فكل سياسة تفترض وجود مشكلة، ووسيلة للتدخل، وآلية يفترض أن تنقل التدخل إلى نتيجة ثم إلى أثر، وعليه، ينبغي طرح أسئلة أكثر تحديدا: ما المشكلة البنيوية التي يفترض في الأستاذ المرجعي معالجتها ولم تستطع هيئة التأطير القائمة معالجتها؟ ولماذا اختير الأستاذ الممارس لهذه الوظيفة تحديدا؟ وكيف سينتقل التدخل من نشاط إداري إلى أثر بيداغوجي داخل الفصل؟ وما المؤشرات الكمية والنوعية التي ستثبت تحقق هذا الأثر؟
ثم إن التقييم ينبغي أن يكون قادرا على إنتاج قرار فعلي، فإذا أظهرت النتائج أن الأثر محدود أو غير موجود، فهل توجد إرادة مؤسساتية لإيقاف التجربة أو تعديلها وإعادة تصميمها؟ فالتقييم الذي لا يمكن أن يؤدي إلى قرار كهذا قد يتحول من أداة للتعلم إلى آلية لتبرير الاستمرار.
من الأستاذ المرجعي إلى اختبار النجاعة
لا ينبغي، في ضوء المعطيات المتاحة، الحكم مسبقا على تجربة الأستاذ المرجعي بالفشل أو النجاح، فالمذكرة تقدم تصميما تنظيميا قابلا للمساءلة: خمسة أساتذة مرجعيين كحد أقصى لكل مديرية، وما يصل إلى عشرين أستاذا لكل أستاذ مرجعي، وتخفيف نصف الحصة التدريسية، وتكليف لمدة سنة قابلة للتجديد، وإشراف المفتش، وتقييم سنوي.
والسؤال الأهم ليس إذن هل ستنجح التجربة أم ستفشل، وإنما هل تستطيع هذه الهندسة التنظيمية إنتاج أثر بيداغوجي يفوق كلفتها البشرية والزمنية والتنظيمية؟ وما القيمة المضافة التي ستقدمها مقارنة بآليات التأطير والمواكبة القائمة؟
من منطق المشروع إلى مأسسة السياسة
كان الانتقال من الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 إلى القانون الإطار رقم 51.17 يفترض، في جوهره، الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى سياسة تربوية أكثر استقرارا ومأسسة، تقوم على وضوح الأدوار وتكاملها واستدامتها، غير أن استمرار المشاريع والتجارب يطرح سؤال قدرة المنظومة على الانتقال من "منطق المشروع" إلى "منطق السياسة العمومية الممأسسة".
فكلما أسندت وظائف جديدة إلى أطر التدريس عبر تكليفات مرتبطة بمشاريع محددة، ينبغي تحديد موقعها داخل البناء العام للمنظومة: هل هي وظائف مؤقتة للتجريب، أم نواة لوظائف جديدة تحتاج لاحقا إلى إطار تنظيمي ومهني واضح؟ وهل سيقاس أثرها على تعلم التلاميذ، أم بعدد الأنشطة واللقاءات والتكوينات؟
إن مأسسة الإصلاح لا تعني إصدار نصوص جديدة فقط، بل تعني أيضا تراكم الخبرة والنتائج والدروس داخل المؤسسات، حتى يصبح الإصلاح اللاحق مبنيا على معرفة ما نجح وما فشل وما يحتاج إلى تعديل، ومن ثم، لا يكمن الرهان في ابتكار مسميات جديدة، كما لا يكمن في رفض التجريب، وإنما في القدرة على تحويل التجارب الناجحة إلى سياسات قابلة للتقييم والمأسسة والتعميم، وتحويل التجارب غير الناجحة إلى معرفة مؤسساتية تمنع تكرار الأخطاء.
وعليه فالإصلاح التربوي لا يقاس بعدد المفاهيم التي تدخل قاموسه الإداري، وإنما بقدرته على تغيير الممارسة داخل المؤسسة، وتحسين شروط عمل الفاعلين، والارتقاء بجودة التدريس وتحسين تعلم التلاميذ، وعندها فقط يمكن معرفة ما إذا كان "الأستاذ المرجعي" أداة جديدة في سياسة تربوية تتعلم من تجاربها، أم مجرد تسمية جديدة ستنتظرها تسمية أخرى عند أول منعطف في مسار الإصلاح.